الجاحظ
272
رسائل الجاحظ
يسميه من أجل المرحمة والمحبة والتأديب - أبا ، جاز أن يسميه آخر من جهة التعظيم والتفضيل والتسويد أخا ، ولجاز أن يجد له صاحبا وصديقا ، وهذا ما لا يجوزه إلا من لا يعرف عظمة اللّه ، وصغر قدر الإنسان . وليس بحكيم من ابتذل نفسه في توقير عبده ، ووضع من قدره في التوفر على غيره . وليس من الحكمة أن تحسن إلى عبدك بأن تسيء إلى نفسك ، وتأتي من الفضل ما لا يجب بتضييع ما يجب . وكثير الحمد لا يقوم بقليل الذم ، ولم يحمد اللّه ولم يعرف إلهيته من جوز عليه صفات البشر ، ومناسبة الخلق ، ومقاربة العباد . وبعد ، فلا يخلو المولى من رفع عبده وإكرامه من أحد أمرين : إما أن يكون لا يقدر على كرامته إلا بهوان نفسه ، ويكون على ذلك قادرا ، مع وفارة العظمة ، وتمام البهاء . وإن كان لا يقدر على رفع قدر غيره إلا بأن ينقص من قدر نفسه فهذا هو العجز ، وضيق الذرع . وإن كان على ذلك قادرا فآثر ابتذال نفسه والحط من شرفه فهذا هو الجهل الذي لا يحتمل . والوجهان عن اللّه جل جلاله منفيان . ووجه آخر يعرفون به صحة قولي ، وصواب مذهبي ، وذلك أن اللّه تبارك وتعالى لو علم أنه قد كان فيما أنزل من كتبه على بني إسرائيل : إن أباكم كان بكري وابني ، وإنكم أبناء بكري - لما كان تغضب عليهم إذ قالوا : نحن أبناء اللّه ، فكيف لا يكون ابن ابن اللّه ابنه ، وهذا من تمام الإكرام ، وكمال المحبة ، ولا سيما إن كان قال في التوراة : بنو إسرائيل أبناء بكري . وأنت تعلم أن العرب حين زعمت أن الملائكة بنات اللّه كيف استعظم اللّه تعالى ذلك وأكبره ، وغضب على أهله ، وإن كان يعلم أن العرب لم تجعل الملائكة